الجواد الكاظمي

216

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

ويدخل فيها الأخوات من الأب أو الأم أو هما معا . « وعَمَّاتُكُمْ » جمع عمة ، وهي امرأة ولدها وولد أباك أو أبا أبيك أو أبا أمك بالغا ما بلغ شخص . « وخالاتُكُمْ » جمع خالة ، وهي مثل العمة الا أن النسبة هنا إلى الأم بمنزلة الأب هناك . « وبَناتُ الأَخِ وبَناتُ الأُخْتِ » يعلمان مما سبق ، إذ بعد العلم بالأخ والأخت والبنت يعلم بناتهما . هذا هو التحريم النسبي ، ولا خلاف بين الأمة فيه ، ويتحقق في العقد الصحيح في نفس الأمر أو عند الفاعل أو كان لشبهة فإنها بحكم الصحيح عندنا ، ولو كان من زنا - كالبنت المخلوقة منه - فأصحابنا أجمع على أنه كذلك ، وبه قال أبو حنيفة ، نظرا إلى أن حقيقة البنتيّة موجودة فيها ، فان البنت هي المتكونة من مني الرجل ، وانتفاء بعض الأحكام الشرعية عنها من الميراث وشبهه لا يوجب نفيها حقيقة . ولظاهر قوله « إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ » فجعل الأم الوالدة مطلقا ، فتكون المتولدة بنتا ، بل تكون حقيقة البنتية والأمية والأختية ثابتة فيها وان انتفت الأحكام الشرعية ، وحينئذ فيحرم عليه وعلى من يندرج في الآية . وبالجملة حكمها حكم البنت عن عقد صحيح في ذلك . وأنكر الشافعي ( 1 ) التحريم وجوز وطيها بالنكاح من الرجل الذي خلقت من مائة

--> ( 1 ) فتوى الشافعي بجواز نكاح الرجل بنته المخلوقة من مائه بالزنا معروف مشهور نقله الشيخ في الخلاف ج 2 ص 382 المسئلة 83 من مسائل كتاب النكاح والعلامة في التذكرة ج 2 ص 613 والفاضل المقداد في كنز العرفان ج 2 ص 181 وأسد حيدر في الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج 5 ص 245 . وقد اعترف علماء الشافعية به وأقروه واستدلوا له ، انظر تفسير الإمام الرازي ج 10 ص 28 المسئلة الثانية من مسائل النوع الثاني من المحرمات البنات وتفسير النيسابوري ج 1 ص 418 ط إيران والمنهاج للنووي بشرح الغمراوى الموسوم بالسراج الوهاج ص 372 ومغني المحتاج للشربينى الخطيب ج 3 ص 175 وتحفة المحتاج لابن حجر الهيثمي ج 7 ص 299 والفقه على المذاهب الأربعة ج 4 ص 66 ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة للشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي المطبوع بهامش الميزان للشعراني ج 2 ص 70 والميزان للشعراني ج 2 ص 120 وغيرها من كتبهم . ونسب هذا الفتوى إلى مالك أيضا الا انه لم يثبت فعنه روايتان ولما في هذا الفتوى من الاستبشاع ، قال الزمخشري في الأبيات المنسوبة إليه . وان شافعيا قلت قالوا بأنني * أبيح نكاح البنت والبنت تحرم حمى ابن القيم الجوزية جانب الشافعي وأنكر صدور هذا الفتوى من الشافعي وبسط الكلام في إعلام الموقعين ج 1 من ص 39 - 43 . ونقله عنه في مقدمة تحفة الأحوذي ص 205 وادعى ان الشافعي نص على كراهة تزوج الرجل بنته من ماء الزنا ولم يقل قط انه مباح ولا جائز والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أجله اللَّه به من الدين ان هذه الكراهة منه على وجه التحريم وأطلق لفظ الكراهة لأن الحرام يكرهه اللَّه ورسوله ، وادعى ان لفظ الكراهة أطلق في القرآن والحديث على الحرمة . واستدل من القرآن بقوله تعالى « كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً » بعد ذكر ما حرمه من المحرمات من الشرك والعقوق وقتل الأولاد والزنا وقتل النفس وظلم اليتيم والقول بغير علم . ومن الحديث بقوله ( ص ) ان اللَّه عز وجل كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال . وذكر موارد عبر فيه مالك ومحمد بن الحسن واحمد والشافعي عن الحرمة بالكراهة وقال فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام اللَّه ورسوله ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث فغلط في ذلك . ثم قال وأقبح غلطا منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغي في كلام اللَّه ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث وقد اطرد في كلام اللَّه ورسوله استعمال لا ينبغي في المحذور شرعا أو قدرا وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى « وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً » وقوله « وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ » وقوله « وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهُمْ » وقوله على لسان نبيه « كذبني ابن آدم وما ينبغي له وشتمني ابن آدم وما ينبغي له » وقوله ( ص ) في لباس الحرير « لا ينبغي هذا للمتقين » وأمثال ذلك انتهى . قلت وهذا الحمى من ابن القيم الجوزية الحنبلي للشافعي مع اعتراف كبار علماء الشافعية بصدور فتوى الشافعي بالجواز أشبه شيء بما هو المعروف في لسان الفرس جاريا مجرى المثل ( كاسه از آش گرمتر وخاله مهربانتر از مادر ) .